كيف يرى الشافعي المجتمع القوي

                                         كيف يرى الشافعي المجتمع القوي

                                                د هاني خليل عابد

جرت العادة في العديد من مصنفات الفقه تقسيم الفقه إلى أبواب ، وكل باب تحته كتب ،وكل كتاب فيه فصول فرعية ، لكننا اليوم بحاجة للإجابة على قضايا الوقت المعاصر واحتياجاته ، في أجواء من تطور المفاهيم ، وخاصة في عالم الأفكار، والتي يقدم بعض أصحابها تصوراً جزئياً ،أو مغلوطاً عن الحقائق ، مما يدفعنا أن نضيف إلى مناهج السابقين منهج الدراسات الفكرية المعاصرة ، والتي تبحث في سنن الله المجتمعية ، وأسباب القوة ،وعلاج الضعف . ولما كانت كتب المتأخرين في الفقه تتغذى على كتب المتقدمين ،فلا يستغربن أحد من دراسة كتاب الأم للشافعي ،وليس هذا فعل الجامد في تفكيره ، ولا المغيب عن مجتمعه ، بل للانتفاع الراشد من فقه الجهابذة المتميزين ،وخاصة الذين كانت نفوسهم كباراً ،ولهم روائع في تحقيق التماسك في المجتمع ،كان لهم فضل بيانها ،وحث الناس على العمل بها ، ولما كان ذلك يحتاج لتوسعٍ في البحث ، ولكنّه لا يمنع تقديم المختصر المفيد ،فالشافعي يقدّم تصوراً عن طبيعة المجتمع المسلم ،وكيف يكون حضارياً ، متماسكاً ،وقوياً في بنائه الاجتماعي والاقتصادي ؟وتلخيصي ليس جامعاً لكل ما ذكره الشافعي ،بل يندرج تحت التنبيه المفيد .

1-   التمسك بالدين بشكل معرفي وليس بشكل تقليدي

ويكون هذا بمعرفة حكم ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وسبيل ذلك التفقه ،والتعلم ،والسؤال ،والوعي بهذا يحمي المجتمعات من الجهل بدينهم ، ويجعلهم أقدرعلى دفع الشبهات ، ويحميهم من غارات المشككين ،وتمييز ما يقبل الاجتهاد من غيره ، قال الشافعي :" والعلم من وجهين إتباع، أو استنباط  والإتباع إتباع كتاب فإن لم يكن فسنة فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفا، فإن لم يكن فقياس على كتاب الله عز وجل، فإن لم يكن فقياس على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن فقياس على قول عامة من سلف.

 2-المسؤولية المجتمعية المانعة من التفكك

وفي هذا السياق جاء كلام الشافعي حول ترابط أبناء الأمة في الفكر ،والمشاعر ،وسلوك طريق التكافل ،وحسن الظن ببعضهم البعض فيقول الإمام في موضوع الاستسقاء "وأمرت الإمام، والعامة يدعون في خطبة الجمعة، وبعد الصلوات، ويدعو في كل نازلة نزلت بأحد من المسلمين، وإذا كانت ناحية مخصبة، وأخرى مجدبة فحسن أن يستسقي إمام الناحية المخصبة لأهل الناحية المجدبة ولجماعة المسلمين" ويقول في موضوع الزكاة " فرض الله عز وجل على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقاً لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسع أهل الأموال حبسه عمن أمروا بدفعه إليه من أهله.

3-المجتمع الذي يبتعد عن الضرر والغرر في تعاملاته

يؤكد الشافعي - مستلهما من قواعد الشرع- أن الجانب الاقتصادي في حياة المجتمع لا بد أن يقوم على النفع والبعد عن الجهالة ،وتحديد نسب الأجور والأرباح ،وضبط تصرفات البائع والمشتري للحماية من النزاع فيقول :" إنما بيوع المسلمين بيع عين بعينها يملكها المشتري على البائع أو صفة بعينها يملكها المشتري على البائع ويضمنها حتى يؤديها إلى المشتري" ويبين ضرورة تحديد نسبة الربح في شركة المضاربة ،وتحديد قيمة الأجرة فيما يُستأجر .

4 -المجتمع الحريص على العدل والعدالة

يتحقق العدل عندما يتم المحافظة على مقاصد الشرع من المحافظة على الدين ، والنفس ،والعقل ،والمال والنسب ،فلا يجوز أكل أمل الناس بالباطل يقول الإمام ولم أعلم أحدا من المسلمين اختلفوا في أن لا يخرج ملك المالك المسلم من يديه إلا بإخراجه إياه هو نفسه ،ببيع ،أو هبة، أو غير ذلك، ويتناول الشافعي العدل بين الزوجات وأنه لا مرخص في تركه ، والى حل الخلافات بين الناس بالعدل والصلح الشرعي الذي لا يشتمل على شروط محرمة .

5 -المجتمع المتجه نحو التقدم

المجتمع المتقدم في نظر الشافعي هو الذي يحرص أفراده على الأقوال والأفعال التي تقربهم من الله ويحذرون من طرق المعاصي فمثلا يقول الإمام في موضوع قبول الوصية ولو أوصى أن يكتب به كتب طب فتكون صدقة جازت له الوصية ،ولو أوصى أن تكتب به كتب سحر لم يجز" ويحذر الشافعي المجتمع أن يكون أفراده سماعون للكذب وللكلام الذي يتطاول على الناس ويؤذيهم .

كلمات طارئة تخالف المنهجية الشرعية

   كلمات طارئة  تخالف المنهجية الشرعية

 د هاني خليل عابد

الأصل في الأمة أن ترجع البصر في شؤون حياتها وفق المقاصد الشرعية ، وأن تكون مفردات ثقافتها مستمدة من الدين القويم ، وليست مبنية على الهوى والشقاق ، فالحوار في الإسلام لا يهدف لشيطنة الآخر ، بل لمصلحته ،وحرص كل طرف على بيان الخير للآخر للوصول إلى كلمة سواء .

الملاحظ أنه في ظل العولمة وزمن الانفتاح في التواصل وزمن الهواتف الذكية أننا نعيش في مجتمعاتنا في زمن ركب الناس فيه وسائل التواصل ليقولوا في حق بعضهم مالا يصح ، بل أحيانا يقولون ويكتبون ما يحرم شرعاً من السب ، ويتناقض هذا مع السنن الشرعية التي تحذر من التصرفات التي تؤدي للنزاع ، واستهلاك طاقة أبناء المجتمع في الجدل العقيم.

والناظر في حال بعض من يتحاور يجد الغرائب ، ويدخل على معاجم الشتائم ، وطرق صناعة البغضاء والتي ، تضع الآخرين في قوالب العداوة بشبهة أو بغيرها ، ووصف من يهتف لكرامة وحب بلاده وصفه بالذلة والتبعية ، ونعت من يصرخ داعياً لفتنة ،أو حرب أهلية، نعته بالبطولة وإقامته مقام القدوة ،وكل ذلك من الباطل الزهوق .

والكلمة السواء في ذلك ،أن تفعّل الأمة مفاهيم النصيحة ،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،ففي الحديث عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»(رواه مسلم)

قيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب قال وقيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط

أما مجالات النصيحة (فألخصها من شرح النووي على مسلم) فالنصيحة لله تعالى فمعناها منصرف إلى الإيمان به وترك الإلحاد في صفاته ،والقيام بطاعته ، وأما النصيحة لكتابه ففي تعظيمه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه، وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به ، وطاعته ونصرته ونشر شريعته ، واستثارة علومها ، وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به ، وتذكيرهم برفق وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم ، وأما نصيحة عامة المسلمين الأمر فإرشادهم لمصالحهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم والذب عن أموالهم وأعراضهم .

وللنصيحة ضوابط في كتب الفقه ومنها

1-أن تكون بينك وبين من تنصحه فالنصيحة على رءوس الأشهاد فضيحة

2-أن تكون النية النصيحة لا الوقيعة في العرض.

3- أن يقتصر الناصح على ذكر الوصف المخل بتلك المصلحة فلا يتجاوزه لعيب آخر، فإذا استشاره في النكاح فلا يذكر له عيبا في نحو الشركة

4- وتكون النصيحة بالقول اللين والرفق لأنه أقرب إلى قبولها كما قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]

ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

                                                  ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

                                          كتبه د هاني خليل عابد

هذا العنوان مقتبس من بيت شعر ومطلعه

ليتَ وهل ينفع شيئًا ليتُ ... ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

وهو للشاعر: رؤبة بن العجاج وموطن الشاهد النحوي فيه جواز استعمال "بُوعَ"  في المبني للمجهول وذلك سائغ على لغة بعض العرب مع أن الأصل فيه بيع بالياء  ، ولئن كان محل عناية النحويين في مجال توضيح صيغ صرف الفعل المبني لما لم يسمّى فاعله ، فلا مانع من التأمل في البيت لما ينفع مباني حياتنا لتكون سعيدة مطمئنة .

في جانب الحياة

يستفاد من البيت أهمية مرحلة الشباب، وأنها مرحلة يتمنى الإنسان دائما أن يبقى يعيشها ؛ لما تشكل له من حيوية وحركة ، تتيح  له فرص التقدم ، والتمكن ، والعقلاء بتوفيق من الله يوجهون مرحلة شبابهم لما يكون فيه الصلاح لدينهم ، ولدنياهم ، ولآخرتهم ، روى النسائي في السنن الكبرى  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وفي حديث آخر متفق عليه فيمن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " وشاب نشأ في طاعة الله " وتخصيص ذكر الشاب في الحديث لبيان منزلته ؛ لأنه  لم  تتغلب عليه غرائزه فلم ينهمك في الشهوات ، وإنما صحح مسار العقل والقلب فوجههما نحو طاعة ربه ،وذلك الفضل المبين .

العناية بالشباب لا تقع عليهم وحدهم

شباب الأمة هم أمل نهضتها ، والمعول عليهم في تحقيق عزتها ، فلا غرابة أن نجد أن التحديات  لهم بالمرصاد ، وتلكم التحديات إمّا أن تكون داخلية  كامنة في أنفسهم كالشهوات ،وإما أن تكون تحديات خارجية كرفاق السوء  ،أو من يتعمدون إسقاط الشباب وإصابتهم بأمراض العصر كالإدمان ، أو العادات السيئة ، أو التعلق بما يعطل حركة عقولهم من الألعاب التي تقعدهم عن مسؤولياتهم ، وتجعل من شخصياتهم عدوانية ، أو نائمة وعاجزة ، لذا في مثل هذه الظروف يدعونا العقل الراشد والشرع الشريف لنقوم بمسؤوليتنا تجاه الشباب بالتوعية ، والتشاركية ، وحثهم على حضور مراكز العلم في المساجد ، والمدارس ، والجامعات ، والندوات ، والمحاضرات التشاركية  وليست التقليدية ، ومراعاة وسائل العصر في خطابهم ومخاطبتهم .

من وسائل التغيير المهمة اكتشاف مواهب الشباب

تتنوع مهارات الشباب في الأنشطة التي يجدون فيها أنفسهم ، ومن المهم معرفة مواهب الشباب العقلية ،والبدنية ،والحركية ، وعلى المؤسسات المعنية بداية من الأسرة ، والمدرسة ، والجامعة ، والمسجد ، العناية بهذا ،وتطويره حتى لا تذهب الطاقة الشبابية هدرا ً، أو لا قدر الله تتوجه  نحو الرذائل والسقوط.

مثال من سيرة المصطفى صلوات الله عليه

أمثلة عناية النبي صلوات الله عليه بالشباب كثيرة ، وتحتاج لدراسة خاصة ، وسأذكر مثلا عن شاب في عصر النبوة ،قصته مبثوثة في كتب السيرة ، وأوردها السهيلي في الروض الأنف ، ومن قبله الشافعي رحمه الله في في كتاب الأم تحت عنوان حكاية الأذان ،وملخصها عن شاب كان اسمه سمرة و،كنيته أبو محذورة سمع أذان بلال لما عاد النبي صلوات الله عليه من حنين وكان يومها هذا الشاب من الذين  لم يستقر الإيمان في قلوبهم  فراح يحاكي صوت المؤذن مستهزئاً فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصوت فاستدعاه  صلوات الله عليه وعلمه الأذان لحسن صوته ومسح على صدره فانقلب كرهه للإسلام إلى محبة  ، وجعله  النبي صلوات الله عليه  مؤذناً لأهل مكة وَفِي أَبِي مَحْذُورَةَ قال بعض شعراء قريش

أَمَا وَرَبّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ ... وَمَا تَلَا مُحَمّدٌ مِنْ سُورَهْ

وَالنّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ ... لَأَفْعَلَن فِعْلَةً مَذْكُورَهْ

نرجو الله في  بداية الأعوام الدراسية  والجامعية  في بلدنا ، أن نعيش مرحلة عملية مستثمرة لطاقات الشباب  ومواهبهم ، حتى لا نخرج من مرحلة الرجاء إلى مرحلة  ليت غير المتحققة ، فاللهم حقق رجاءنا في شبابنا واجعلهم قرة أعين لمجتمعاتهم ولوطنهم ولأمتهم .

كليات الشافعبي 5 وقوله لا بأس

                                                 وقال الشافعي لا بأس

                                                 كتبه د هاني خليل عابد

عندما تتخذ من كتاب الأم للشافعي مرجعا لك ، تقف من خلاله على تطبيقات واقعية واضحة ليسر الإسلام  قال تعالى :" (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (النساء :28) ومن أفضل من يسعفنا في ذلك قول الشافعي لا بأس ويذكر بعدها ما يدل على إباحة التصرف المراعي للطاقة الإنسانية أثناء أداء التكاليف الشرعية .

أولا : في مجال الدعاء يأخذ الشافعي من القرآن الكريم إباحة الدعاء بشأن الآخرة وكذا بشأن الدنيا قال تعالى :"ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (البقرة 201-202) فيقول:" وقول آمين يدل على أن لا بأس أن يسأل العبد ربه في الصلاة كلها في الدين والدنيا مع ما يدل من السنن على ذلك ، ولو قال مع: آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسنا لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله.

ثانياً : في مجال تيسير العبادات وأدائها وفق الطاقة ، ومن أمثلة ذلك في صلاة الجماعة وكثرة المصلين ، فلو اضطر المأموم للوقوف في الطابق العلوي أو حتى سطح المسجد ،فيقول :" ولا بأس أن يصلي المأموم من فوق المسجد بصلاة الإمام في المسجد إذا كان يسمع صوته، أو يرى بعض من خلفه فقد رأيت بعض المؤذنين يصلي على ظهر المسجد الحرام بصلاة الإمام فما علمت أن أحدا من أهل العلم عاب عليه ذلك ويقول في شأن الاستماع لخطبة الجمعة :"وإن عطش الرجل فلا بأس أن يشرب والإمام على المنبر فإن لم يعطش فكان يتلذذ بالشراب كان أحب إلي أن يكف عنه.

·        وفي مجال الصيام يقول :" لا بأس أن يحتجم الصائم ولا يفطره ذلك " ولا بأس أن ينوي الصوم قبل الزوال ما لم يأكل ولم يشرب.(يعني في صيام التطوع أما صيام الفرض فيبيت له النية )

·        وفي مجال الحج يورد أمثلة كثيرة فالحج مبناه على التيسير، ومن مسائله :"لا بأس بالاستراحة في الطواف"ولا بأس أن يهل أحد من وراء المواقيت إلا أنه لا يمر بالميقات إلا محرماً،ولا بأس أن يغتسل المحرم متبردا أو غير متبرد يفرغ الماء على رأسه وإذا مس شعره رفق به لئلا ينتفه، ولا بأس إذا كان الرجل أكثر ليله بمنى أن يخرج من أول ليله أو آخره عن منى ،ولا بأس أن يلبي على وضوء وعلى غير وضوء، وتلبي المرأة حائضاً.

·        ثالثا : في مجال العلاقات الإنسانية حتى مع الآخر

·        ولا بأس أن يغسّل المسلم قرابته من المشركين، ويتبع جنازته، ويدفنه ولكن لا يصلي عليه، ولا بأس أن يتصدق على المشرك من النافلة وليس له في الفريضة من الصدقة، ولا بأس بالوضوء من ماء المشرك وبفضل وضوئه ما لم يعلم فيه نجاسة؛ لأن للماء طهارة عند من كان وحيث كان ، حتى تعلم نجاسة خالطته. ولا بأس أن يعزى المسلم إذا مات أبوه كافرا، ولا بأس أن يرهن المسلم عند المشرك والمشرك عند المسلم كل شيء ما خلا المصحف.

·        رابعاً في مجالات متعددة

·        أ-في مجال الجوار مسألة أغصان الشجر الممتد إلى هواء بيت الجار، فيقول وإذا كانت لرجل نخلة أو شجرة فاستعلت حتى انتشرت أغصانها على دار رجل فعلى صاحب النخلة والشجرة قطع ما شرع في دار الرجل منها إلا أن يشاء رب الدار تركه ،فإن شاء تركه فذلك له وإن أراد تركه على شيء يأخذه منه فليس بجائز من قبل أن ذلك إن كان كراء أو شراء فإنما هو كراء هواء لا أرض له، ولا قرار، ولا بأس بتركه على وجه المعروف.

·        ب-  وفي مجال المرأة المعتدة من وفاة والتي عليها الالتزام بأحكام الإحداد :" وهو ترك التزين بالثياب والحلي والطيب ،ولكن الشافعي هنا ينبه فيقول :" ولا بأس أن تلبس الحاد كل ثوب وإن جاد من البياض لأن البياض ليس بمزين "

·        ج- وفي مجال الرقية الشرعية فيقول :" لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله.

أهل الحديث

أهل الحديث

أهل الحديث حازوا الفضائل ونشروها المفتي د هاني خليل عابد حديث رسول الله صلوات الله عليه هو كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية فالحديث النبوي يجعلك تعيش مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لتتعرف على أقواله فإن كانت أمراً التزمت به ،وإن كانت نهياً انتهيت عنه، امتثالاً لقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا  [الحشر: 7] ليس هذا فحسب بل إن أهل الحديث جمعوا مادة الإسلام ،ومفرداته، وتراكيبه ،ولم يألوا جهداً في ذلك ، ولا ريب أنّ مهمتهم لم تكن سهلة ،وهم يرحلون لجمع الأحاديث، ويضعون القواعد العلمية والأدبية في تحمل رواية الحديث ،وأدائها بشكل علمي مقبول ، ولم يكن هَمّ المحدثين هو الناحية الفنية فقط ،بل كانوا مخلصين للإسلام ولرسالته إخلاصاً قلبياً ، يظهر ذلك من خلال تناولهم للأحاديث النبوية وعرضها بطريقة الكتب، والأبواب الداعية للمحافظة على المقاصد الشرعية ،والضرورات الخمس، ألا وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسب ،والمال ،فالبخاري رحمه الله يسمي كتابه :" الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، وهذه التسمية تعلمنا أنّ البخاري المحدث العلَم ، لم يكن همه الجمع فقط بل نشر السنن النبوية ،وربط الأمّة بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه . وكذلك فإن أهل الحديث رأوا بأنه من الواجب عليهم التدقيق في السنّة النبوية ،وليس فقط التعامل معها بانغلاق، بل بطريقة الاستثارة ،ومعناها عندهم: تحريك العقول في ثمار الحديث النبوي الشريف ، وتدقيق النظر فيه لاستنباط الفوائد العظمى منه، قال النووي في شرح مسلم ،مبيناً واجب المسلم مع السنّة النبوية الشريفة فمن ذلك  " وَبَثُّ دَعْوَتِهِ ،وَنَشْرُ شَرِيعَتِهِ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ عَنْهَا، وَاسْتِثَارَةُ عُلُومِهَا، وَالتَّفَقُّهُ فِي مَعَانِيهَا ،وَالدُّعَاءُ إِلَيْهَا ،وَالتَّلَطُّفُ فِي تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا) فدقق النظر في قوله واستثارة علومها ،تدرك المهمة الكبرى التي قام بها المحدّثون ،وفي ذلك رد ّعلى فريقين أحدهما  يرد كل حديث بلا بينة، وفي ذلك خطر في فهمه للإسلام ،وفريق آخر أحب أهل الحديث ،ولكنهم لم ينتفعوا بطريقتهم الاستنباطية ،ولا بذوقهم الشرعي ،وحال الفريق الأول هو التحلل من الشرع؛ بردّه للسنة الثابتة ،وحال الفريق هو الجمود ، أما حال المحدثين الصادقين من سلف الأمة وخلفها فهو العمل على إصلاح القلب وإصلاح العمل ،لذا عندما نقرأ في مصادر الحديث نرى أنهم يذكرون الأحاديث النبوية في مجال الإيمان ،وكذا فيما يصلح العلاقة مع الله ويربط القلب بالله جل وعلا، وكذا يذكرون الأحاديث في مجال ، العلاقات الإنسانية ،وأن تكون قائمة على التراحم ، والتواصل المشروع ،والتعاون على البر والتقوى ،وسأذكر لذلك مثلين أحدهما الإنسان في حال السفر يعتريه القلق من متاعب الطريق، والخوف على الأهل والمال والولد ، لكن النبي صلوات الله عليه يرشدنا للتوجه إلى الله، فهو الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال يروي الإمام مسلم  من طريق  ابْنَ عُمَرَ ْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ» ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وفي مجال العلاقات الإنسانية ،وما ينبغي أن يكون عليه المجتمع من القوة الحضارية الإنسانية،نجد مادة كثيرة في كتب الحديث تجمع هذا وتفصّله ،ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»(رواه الترمذي /كتاب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في صنائع المعروف) وبعد كل هذا لا بد من التأكيد على أن أهل الحديث نشروا الفضائل وحازوها ،وعملوا على جمع كلمة الأمة ،ونشر الفضائل النبوية فيها ، فجمعوا الأحكام الشرعية والأذواق النبوية ، وكتب الحديث تهتم ببيان بأن على المريض أن يتداوى فعن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ»(رواه أبو داود ) ويذكر البخاري في صحيحه أبوابا للمهن والحرف ، كالنّجار، والحداد، والخياط ،وغير ذلك ، ونقرأ لأصحاب الحديث كالبخاري ومسلم وأبو داود ،والترمذي والنسائي ،وابن ماجة كتباً في أحكام اللباس والزينة ،والكيفية الشرعية لأداء العبادات ،وطرق الحلال ،والأخذ بأسباب القوة، فمن أراد التقوى والضبط الاجتماعي والرقي العلمي والأخلاقي فعليه بكتب الحديث وليتعامل معها بعقلية راشدة ،يأخذها من أفواه العلماء الربانيين ،وأختم بما ختم البخاري به كتابه الصحيح بقوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم :" " كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ "( آخر حديث في صحيح البخاري)

كليات الشافعي 4

 كليات الإمام الشافعي (4)

نظرات في فقه السفر

تمهيد

الشافعي رحمه الله من أصحاب الهمم العالية والتجديد ، .ومن الأمانة العلمية القول بأن الشافعي لم يكن متفرداً في هذا المجال فمن سبقه كالإمامين مالك وأبي حنيفة ،وكذا تلميذ الشافعي الإمام أحمد لهم مساهماتهم الرائعة في إثراء الفقه ،وإيجاد الحلول الشرعية لوقائع الناس ، قال الشعراني : "لا تقولوا اختلف العلماء ولكن قولوا توسع الفقهاء "

جوانب متعددة في فقه السفر

تكلم الشافعي عن مسائل السفر  ، كالتيمم عند فقد الماء ، والصلاة وأدائها للمسافرين ، وكذا الصيام والحج ،  باستقراء كليات البحث الفقهي نرى الشافعي يلفت عقل المسافر لمسائل ينبغي مراعاتها وفي مقدمتها عدم الغفلة عن طاعة الله ،فما أجمل دعاء المصطفى الذي كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل» ، وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون»(رواه مسلم ) لذا ينبغي على المسافر مراعاة ما يلي :

1-   الاجتهاد عند اشتباه الأمور ،فالمسافر يجتهد ويعمل عقله في تحري طهوره ، وتحديد قبلته حال الاشتباه ، مراعياً في ذلك اليقين ،ففي في تحري الماء الطاهر إذا اشتبه بنجس "فالماء على الطهارة وله أن يتوضأ به حتى يستيقن مخالطة النجاسة به" فإذا تيقن النجاسة لم يتطهر به . وكذا يسأل عن القبلة

2-أن يكون مقصد السفر مباحا، وإنما جعلت الرخصة لمن لم يكن عاصياً ، ألا ترى إلى قوله تعالى {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] وهكذا لا يمسح على الخفين ، ولا يجمع الصلاة مسافر في معصية.

3-   التفقه بأمور الدين حتى يؤدي العبادات بشكل صحيح  ، ومنه أنه إذا صلى خلف مقيم أتمّ الصلاة ،وإن خرج للسفر قبل الفجر فله الفطر في رمضان، أما إن سافر بعد الفجر فيتم صومه فإن لحقته مشقة فيفطر ويقضي .

 4-الفهم الدقيق لمسائل الرخص الشرعية فلا إفراط ولا تفريط ، فالرخصة من الله لا يجب الإجبار على فعلها هذا من ناحية ، ومن ناحية أخر لا ينبغي ترك الرخصة ترفعا وإنكارا لها ، ومثال الأول قول الشافعي "وقد نهي عن صيام السفر وإنما نهي عنه عندنا والله أعلم على الرفق بالناس لا على التحريم ولا على أنه لا يجزي وقد يسمع بعض الناس النهي ولا يسمع ما يدل على معنى النهي فيقول بالنهي جملة". وفي المثال الثاني يقول الإمام :" وأكره ترك القصر وأنهى عنه إذا كان رغبة عن السنة فيه، وأكره ترك المسح على الخفين رغبة عن السنة فيه ،ومن ترك المسح على الخفين غير رغبة عن السنة لم أكره له ذلك."

5-العمل على حفظ الآخرين المالية عند السفر، فعلى المسافر حفظ حقوق الآخرين المالية ، فلا يضيعها ومثال ذلك من مسائل الوديعة قول الشافعي:" وإذا استودع الرجلُ الرجلَ الوديعة فأراد المستودع السفر فإن كان المستودع حاضرا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى، فإن أودعها من شاء فهلكت ضمن إذا لم يأذنا له، وإن كان غائبا فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينا على ذلك فهلكت لم يضمن". وبهذا الفقه الحضاري يتمكن المسافر من معرفة ما له وما عليه ،محافظاً على دينه وأمانته ، مستشعراً لمعية ربّه ومبتغياً لرضوانه وفضله.