كل أولئك من وسائل الكسب غير المشروع

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

                               الشيخ : هاني خليل عابد الأصل في الإنسان أن يكون كسبه من حلال مشروع وطيب لا من حرام خبيث قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (1) " [ البقرة: 172 ] مع ملاحظة أن الله جلت قدرته جعل معايش العباد كثيرة ومتنوعة ليأخذ كل واحد من الناس ما قسمه الله له من طرق مشروعة قال تعالى :وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف :10) فالله تعالى يمتن على عباده فيما مكن لهم من أنه جَعَل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعها، وسَخَّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] .(تفسير ابن كثير 3/390) أما الغش والتدليس والتغرير فكل أولئك من أساليب الخداع والكسب غير المشروع الذي ينال أصحابه عقاب الله تعالى ،والذي يوجب على الأمة رفضه ،والإنكار على من يمارسه ؛لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل،وإلحاق الضرر بهم عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ_ الكومة المجموعة بلا كيل ولا وزن _(فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ_: المطر_ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى ».(رواه مسلم) وفي حديث أخر يحذر صلوات الله عليه من كل تصرف يهدد حياة الأمة في دمائها وفي أمنها وكذلك يهدد اقتصاد الأمة وصحتها وسلامة أفرادها فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ».(رواه مسلم) فكل التصرفات التي تلحق الضرر بأفراد الأمة منهي عنها، وفي الحديث الشريف أيضاً قوله عليه االسلام  (( ملعونٌ من ضارَّ مسلماً أو مكرَ به )) خرَّجه الترمذيُّ فالغش منهي عنه بأساليبه القديمة والجديدة مثل التدليس وهو أي التدليس كتم البائع عيب السلعة عن المشترى وإخفائه(المجموع للنووي 13/27) فكل ما كان من أساليب كسب المنفعة بطرق ووسائل الخداع فهو محرم ، وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا(الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر 5/42) ولننتبه إلى ما ذكره الشيخ ابن حجر في معرفة طريق الغش وهو أن يكون في المبيع وصف منقوص بمعنى أن يكون المبيع غير مطابق لشروط السلامة ولا للمقاييس المعتبرة فكل ذلك من الغش الذي يجب الحذر منه  .  مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

كل أولئك من وسائل الكسب غير المشروع

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

 الشيخ : هاني خليل عابد الأصل في الإنسان أن يكون كسبه من حلال مشروع وطيب لا من حرام خبيث قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (1) " [ البقرة: 172 ] مع ملاحظة أن الله جلت قدرته جعل معايش العباد كثيرة ومتنوعة ليأخذ كل واحد من الناس ما قسمه الله له من طرق مشروعة قال تعالى :وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف :10) فالله تعالى يمتن على عباده فيما مكن لهم من أنه جَعَل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعها، وسَخَّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] .(تفسير ابن كثير 3/390) أما الغش والتدليس والتغرير فكل أولئك من أساليب الخداع والكسب غير المشروع الذي ينال أصحابه عقاب الله تعالى ،والذي يوجب على الأمة رفضه ،والإنكار على من يمارسه ؛لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل،وإلحاق الضرر بهم عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ_ الكومة المجموعة بلا كيل ولا وزن _(فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ_: المطر_ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى ».(رواه مسلم) وفي حديث أخر يحذر صلوات الله عليه من كل تصرف يهدد حياة الأمة في دمائها وفي أمنها وكذلك يهدد اقتصاد الأمة وصحتها وسلامة أفرادها فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ».(رواه مسلم) فكل التصرفات التي تلحق الضرر بأفراد الأمة منهي عنها، وفي الحديث الشريف أيضاً قوله عليه االسلام  (( ملعونٌ من ضارَّ مسلماً أو مكرَ به )) خرَّجه الترمذيُّ فالغش منهي عنه بأساليبه القديمة والجديدة مثل التدليس وهو أي التدليس كتم البائع عيب السلعة عن المشترى وإخفائه(المجموع للنووي 13/27) فكل ما كان من أساليب كسب المنفعة بطرق ووسائل الخداع فهو محرم ، وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا(الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر 5/42) ولننتبه إلى ما ذكره الشيخ ابن حجر في معرفة طريق الغش وهو أن يكون في المبيع وصف منقوص بمعنى أن يكون المبيع غير مطابق لشروط السلامة ولا للمقاييس المعتبرة فكل ذلك من الغش الذي يجب الحذر منه  .  مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

حب الوطن وأهميته في الشريعة

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

            حب الوطن وأهميته في الشريعة الإ       إعداد المفتي (مفتي البلقاء دهاني خليل عابد)        المطلب الأول : تعريف الوطن ولماذا يحبه الإنسان المطلب الثاني : الأدلة الشرعية على محبة الوطن المطلب الثالث: أهمية وبركة أردننا الحبيب المطلب الرابع : حقوق الوطن علينا. 1- الحفاظ على أمنه واستقراره. 2- المحافظة على الوحدة الوطنية. 3- الالتفاف حول القيادة الهاشمية. 4- الأخذ بأسباب القوة في كافة المجالات الحياتية العمل على رفعة الوطن وازدهاره 5- الحافظ على منجزات الوطن. 6- الحفاظ على جماليات الوطن.                                                     (1)                                   المطلب الأول : تعريف الوطن ولماذا يحبه الإنسان                                    حب الوطن من الإيمان        تعريف الوطن : قال الجرجاني الوطن الأصلي هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه(1) وجاء في المعجم الوسيط بأن الوطن هو مكان إقامة الإنسان ومقره وإليه انتماؤه ولدبه أو لم يولد ( 2) أما حب الوطن فهو الأمر الجبلي الذي فطر الله عليه الإنسان من التعلق بالبلد الذي ولد ونشأ وعاش فيه، من خلاله عمله على المحافظة عليه، وتحقيق مصالحة المشروعة. وقولي أمر جبلي استفدت هذا التعبير من كلام المفسر الالوسي رحمه الله الذي عندما وقف مع قول الله عز وجل " قل إن كان إباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" ( التوبة:24) حيث قال " والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأنّ اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادئ المحبة ،وموجبات الرغبة فيها، وإنها مع مالها من فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه وتعالى بقوله أحبّ إليكم من الله ورسوله بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو ملازمة وتقديم الطاعة ، لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤآخذ عليه، ولا يكلّف الإنسان بالامتناع عنه (3)                                             (2)  من خلال كلام الألوسي  نلاحظ  بأن المفسرين يقررون عند هذه الآية أنّ حب الأوطان والديار أمرٌ جبلي فطري لا يخلو عنه البشر ( 4 ) وقد ذكر الالوسي أيضاً _رحمه الله_ في موطن آخر من كتابه عند قوله تعالى " والفتنة اشد من القتل ) ( البقرة: 191) فقال المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن الحبيب للطباع السلمية أصعب من القتل ،لدوام تعبها وتألم النفس بها، ومن هنا قيل لقتل مجد السيف أهون موقعا       على النفس من قتل بحدّ فراق (5) ويفهم من هذا أنّ متعلقات حب الوطن عند أهل النظر والبحث في الإسلام تتمثل في : 1- مشروعية التعلق بالوطن وانه أمرٌ جبلي وفطري. 2- إن حاجة الإنسان للوطن أمرٌ قررته الشريعة فالوطن يعتبر الأمّ الحاضنة لمن ولد وعاش فيه، ويتألم لفراقه والخروج منه، ويفرح عندما يعود إليه وعندما يكون آمنا مطمئنا به . 3- إن حب الوطن لا بد أن ينسجم مع المصالح العليا المشروعة له فإذا احتاج الوطن لمن يدافع عنه لم يبخل المواطن عليه لا بمالٍ ولا نفسٍ، ولا رأيٍ حسن .                                                        (3)                           المطلب لثاني:              الأدلة الشرعية على محبة الوطن:     أسوق بعض الأدلة التي جمعتها عن هذا المقصد العظيم من خلال النظر في كتب التفسير والحديث، والسيرة، وبالرجوع إلى المواقع الالكترونية على الانترنت، ومن أحسنها ما كتبه الدكتور على الحمادي حول الأدلة الشرعية عن حب الوطن، وأنا اذكر أهمها وأزيد عليها بتوفيق من الله تعالى فمن الأدلة : 1- روى البخاري في كتاب العمرة باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة, فعن انس بن مالك رضي الله عنه " أنّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ : كان إذا قدم من السفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته، وان كانت دابةً حركها من حبّها" (6) ،وحاصل الحديث مثلما قال ابن حجر بأنّ فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه (7). 2- جاء في قصة بدء الوحي أنّه عندما نزل الوحي على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فكان من كلام ورقة أنّه قال للنبي_ صلى الله عليه وسلم _ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك فقال _صلى الله عليه وسلم _أو مخرجي هم " (8) يقول السهلي في الروض الأنف , وفي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس (9) 3- إنّ الدفاع عن الوطن، والسعي لتحريره أمرٌ فطري مشروع أكده الشرع نلحظ ذلك في قول الله عز وجل عن السابقين الذين أخرجوا من ديارهم وسعوا للقتال قال تعالى" وما لنا ألاّ نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا " ( البقرة: 264) قال الشيخ ابن عثيمين في ذكره لفوائد الآية: إن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده وأهله"(10)                                             (4)  وقال الشيخ محمد رشيد رضا: إن من السنن الاجتماعية التي تدل عليها الآية القرآنية أنّ الأمم إذا اعتدي على استقلالها وأوقع الأعداء بها فهضموا حقوقها, تتنبّه مشاعرها لدفع الضيم وتفكّر في سبيله (11) 4- ومن الأدلة الشرعية أنّ المشركين استخدموا هذا السلاح الفتّاك في حرب أنبياء الله ورسله فما أن يعلن نبي دينه ويدعو إليه إلاّ ويطرده قومه من بلدهم إلحاقاً للأذى البدني والنفسي به ، ولنستمع إلى  كلام وتهديد قوم شعيب عليه السلام لشعيب عندما قالوا له حسبما جاء في كتاب الله عز وجل "قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين امنوا معك من قريتنا ,أو لتعودنّ في ملّتنا  قال أولو كنا كارهين"  ( الأعراف :88) 5- قوله عز وجل " أذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير الحق إلا أن يقولوا ربنا الله " ( الحج 39) قال الشيخ الصّابوني في تفسير هذه الآية : أي اخرجوا من أوطانهم ظلماً وعدواناً بغير سبب موجب للإخراج(12) وكل هذه الشواهد تدل على تقرير الشرع لحب الوطن في النفوس والدعوة إلى المحافظة على الوطن وتنميته.                                                       (5) المطلب الثالث                                                   أهمية وبركة أردننا الحبيب:                     لو سألنا أنفسنا السؤال الآتي لماذا نحب الأردن، ومن أين جاءت بركة هذا الوطن العزيز , والجواب عن ذلك مبثوث في كتب المعرفة الدينية والتاريخية التي تبرز أهمية الساحة الأردنية في التاريخ الماضي والحاضر فقد حدثت على أرضه المعارك التاريخية الكبرى، وذلك مثل عزوة مؤتة، وها هي مقامات الصحابة رضي الله عنهم شاهدة على ذلك، ونستطيع القول ما يلي : 1- إن الأردن جرت على أرضه معارك شهيرة في تاريخ الإسلام مثل غزوة مؤتة ومعركة اليرموك هذا في الماضي، أما في الحاضر فما زالت معركة الكرامة شاهدة على ثبات الأبطال من أهل الأردن في مواجهة المعتدين. 2- أطلق الأردن في عهد جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسين مبادرة رسالة عمان، تلك الرسالة التي تدعو إلى أن تكون العلاقة بين الشعوب هي علاقة التعارف وليس التقاتل، وتدعوا إلى تكافل الحضارات وليس لتصارع الحضارات، محذرةً من الإرهاب بكافة أشكاله مستندة إلى قول الحق جل وعلا " يا أيها النّاس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ( الحجرات 13) 3- القيادة الهاشمية  التي هي صاحبة نسب عريق ينتهي نسبها إلى سيدنا رسول الله محمد_ صلوات الله وسلامه عليه_ قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً ولا المودة في القربى( الشورى 23) وعن جابر بن عبدا لله رضي الله عنه " قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب ،فسمعته يقول يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي( 13)                                                     (6) 4- جاء في بعض روايات الأحاديث: أنّ الرسول _صلى الله عليه وسلم _حدّ عرض حوضه ما بين المدينة وعمان (14) والمتتبع لأحاديث الحوض يلحظ أنّه جاء في بعض الروايات أنّ رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ قال إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيته كما بين جرباء واذرح (15) وجاء في بعض الروايات أنّه _صلى الله عليه وسلم_ قال ألا إني فرط لكم على الحوض وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيله، كأن الأباريق فيه النجوم ( 16) أليس في هذه الأحاديث إشارة إلى أهمية هذه الأماكن حيث جعل منها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لعرض حوضه وكلها أعني عمان، وأيله هي العقبة ،واذرح والجرباء، من الأردن العزيز. 5- الأردن ممر الرحّالة من المسلمين لزيارة مقامات الصحابة حيث ذكر ابن بطوطة الرحالة العربي المسلم انه زار غور الأردن، وزار فيها مقام أبا عبيدة ،ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما , وأخبر عن وجود رباط في مقام أبي عبيدة_ رضي الله عنه_ يقدم فيه الطعام لأبناء السبيل (17) واهتم الرحالة بالآثار المتعلقة بالأنبياء، والصحابة، والعلماء الذين سكنوا بلاد الشام فمثلاً الشيخ عبدا لغني النابلسي المتوفى سنة ( 1143) هـ عندما تحدث عن قبر يوشع عليه السلام أشار إلى انه يوجد ليوشع بن نون قبر في مدينة يقال الصلت _ السلط_ من أعمال البلقاء حيث قال وله قبر عظيم في طول عشرة اذرع وله هناك غاية الشهرة (18) قلت وقد اعتنى الهاشميون في إعمار مقامات الأنبياء في الأردن مثل مقام سيدنا شعيب عليه السلام، ومقام يوشع بن نون عليه السلام ،ومقامات الصحابة المدفونين في الأردن حيث أقيمت عند هذه المقامات المراكز الدينية والثقافية والاجتماعية التي تصل الحاضر بالماضي بما يخدم الإسلام والوطن في أردن  الهاشميين _حفظهم الله.                                  (7) 6- الأردن من ارض الشام وقد وصف الله عز وجل  أرض الشام بالبركة قال تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام " ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين( الأنبياء :71) قال الالوسي : والمراد بهذه الأرض أرض الشام ووصفها بعموم البركة، لأنّ أكثر الأنبياء بعثوا فيها وانتشرت في العالم شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات، والخيرات الدينية والدنيوية ولم يقل التي باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل المراد بالبركات النعم الدنيوية من الخصب وغيره، والأول اظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام فأرض الأردن أرض بركة من حيث الموقع والحضارة والعطاء الإنساني حيث أنّها ممر إلى أولى القبلتين بيت المقدس ،وكذلك ممر إلى أول بيت وضع للعبادة وهو مكة المكرمة مروراً بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه البركات تجعلنا نشعر بثقل المسؤولية الملقاة علينا في الحفاظ على الوطن، والحفاظ على بركته، وعلى تضحيات الأنبياء الذين عاشوا فيه ،ومرّوا على أرضه، داعين إلى توحيد الله تعالى، والى منظومة القيم والأخلاق مع مراعاة الأخذ بأسباب التطور والتقدم إضافة إلى المحافظة على وجه الأردن الحضاري العربي والإسلامي , إنها أمانةٌ في أعناقنا تدفعنا أن نقوم بحقوق هذه النعمة الكبرى التي أعطانا الله إيّاها.                                                           (8)                           المطلب الرابع                            حقوق الوطن علينا         ؛حقوق الوطن علينا كثيرة ومنها : 1- المحافظة على أمنه واستقراره , فمن خصائص هذا البلد أمنه واستقراره ،والواجب على الجميع المحافظة على أمنه واستقراره , لا ريب أن الكل يدرك ما للأمن من أثر في نهضة الأمم والمجتمعات، فقد جاء في دعاء سيدنا إبراهيم-عليه السلام قوله تعالى" وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام" ( سورة إبراهيم 35) وطلب الأمن كان من بين الأدعية التي يدعو بها رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله اكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ،ربنا وربك الله "(20) وقد أثنى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه على العيون التي تحرس الأوطان لتدفع عنها خطر المعتدين لتبقى البلاد تنعم بالأمن وخالية من الجرائم وتحافظ على استقلالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله "(21) كل هذه أدلة وشواهد تدعوا إلى ضرورة التنبه إلى مسألة امن الوطن واتخاذ التدابير للمحافظة عليه، وتحريم كل الأساليب التي تعرض أمنه للخطر. 2- المحافظة على الوحدة الوطنية : نهى الله  عز وجل في كتابه عن التنازع والاختلاف؛ لما يؤديان من الاختلاف والتشتت والفرقة فقال سبحانه وتعالى " واعتصموا بحبل  جميعاً ولا تفرقوا" ( آل عمران 103)                                    (9)  وحذر من الفرقة التي تؤدي إلى الفوضى، وخسارة المنجزات قال تعالى" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ( الأنفال :46) 3- الالتفاف حول القيادة الهاشمية التي ترتبط جذورها بسيدنا محمّد_صلوات الله وسلامه عليه_ وما زالوا الهاشميون يحملون أعباء أمانة الأمة وتوجيهها نحو الخير، فمنذ تأسيس الإمارة بقيادة الملك عبدا لله الأول رحمه الله ،والأردن الحديث يشهد التطور والتحديث في عهود الملوك الهاشميين , الملك طلال رحمه الله والملك الحسين بن طلال رحمه الله الذي بنى الكثير من مؤسسات الانجاز الوطني ثم ألان جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسن حفظه الله ورعاه والذي يسير مسيرة رائدة في قيادة هذا البلد , وما زال كذلك يعمق أسباب التطور بين أبناء شعبه، وذلك من خلال ربط أبناء شعبه  بتقنية الحاسوب، وثورة المعلومات ،إضافةً إلى تعزيزه لدور الأردن إقليمياً, وحماية الأردن من الكوارث والحروب , وإقامة نظام حكمٍ يعتمد على الشورى، والعدل، والرحمة، والتواصل مع الناس، والعمل المؤسسي , تلك القيادة الهاشمية محل إعجاب وحب عند الأردنيين، ومن الواجب علينا تعميق المحافظة على هذه القيادة امتثالا لأمر الله عز وجل القائل " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( النساء :59) قال إمام الحرمين الجويني : ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع مع تفنن الآراء لانتثر النظام , وفشت الخصومات , وتبددت الجماعات , وما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن (22) 4- الأخذ بأسباب القوة والتقدم في كافة المجالات السياسية بالاقتصادية العسكرية والتربوية والعلمية قال تعالى" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة " ( الأنفال : 60 )                                  (10)  قال الشيخ محمد رشيد رضا: أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأن يجعلوا الاستعداد للحرب التي علموا أن لا مندوحةعنها لدفع العدوان والشر، ولحفظ الأنفس، ودعاية الحق والعدل والفضيلة بأمرين احدهما : 1- إعداد جميع أسباب القوة لها بقدر الاستطاعة ،وثانيهما مرابط فرسانهم في ثغور بلادهم وحدودها ،وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد(23) 5- المحافظة على جماليات الوطن وبيئته، وهذا مطلب شرعي فقد نهت الشريعة وحرمت كل التصرفات التي تشوه أرض البلاد، وتلوث الهواء عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا اللعانين قالوا ما اللعانان يا رسول الله قال الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " 6- الدعوة إلى أن تكون اللغة السائدة بين أبناء المجتمع فيما بينهم وفيما يطالبون به قائمة على الحوار والإقناع والتشاور وامتثال لقوله تعالى " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ( سورة النساء 119) وسور القرآن الكريم وآياته مليئة بالشواهد الدالة على أساليب الحوار والإقناع وفي ذلك ذكرى لأبناء الوطن للتعاون على البر والتقوى، حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه اللهم آمين.                                     (11)   المراجع 1- التعريفات , للجرجاني1/84 2- المعجم الوسيط / ابر هيم مصطفى , احمد الزيات , حامد عبدا لقادر محمد النجار,2/1008. 3- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني, شهاب الدين محمد الالوسي 7/191. 4- إرشاد العقل السليم, أبو السعود محمد العمادي 3/155 5- تفسير الالوسي 2/148 6- رواه البخاري حديث رقم (1802) 7- فتح الباري للحافظ ابن حجر , احمد بن علي , دار الريان للتراث , القاهرة ط2/1988 ج3 ص727) 8- رواه البخاري , كتاب بدء الوحي حديث رقم (3) 9- الروض الأنف, السهيلي, أبو القاسم عبدا لرحمن بن أبي الحسن دار الفكر 1989 ج1 ص726 10- تفسير القرآن الكريم , محمد بن صالح عثيمين دار ابن الجوزي السعودية ط1 1423هـ م1ص210 11- تفسيرالمنار,محمد رشيد رضا و دار إحياء التراث العربي ط1 2002م ج2/ص411 12- صفوة التفاسير, محمد علي الصابوني , دار الفكر ج2 ص294 13- رواه الترمذي كتاب المناقب باب مناقب أهل بيت الله صلوات الله عليه حديث رقم ( 3786) 14- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حديث رقم 2304)                               (12) 15- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا صلى الله عليه وسلم حديث رقم ( 2299) 16- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا صلى الله عليه وسلم حديث رقم ( 2305) 17- رحلة ابن بطوطة , تحقيق طلال حرب , دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط2 /1992 ص81 18- عبدا لغني النابلسي , الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز ط1 الهيئة المصري العامة للكتاب 1986 ص65 19- تفسير الالوسي ج17/ص93 20- رواه الدارمي في مسنده ج2 ص403 21- رواه الترمذي في فضائل الجهاد ( باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله حديث رقم (1639) 22- إمام الحرمين الجويني  عبدالملك بن عبدالله , الغياثي تحقيق د.         عبدالعظيم الدين ط2/1401 مطبعة () مصر /ص 24 23- تفسير المنار, محمد رشيد رضا, دار إحياء التراث العربي / بيروت / لبنان ط1/2002 ج10 ص55 24- رواه مسلم كتاب الطهارة باب النهي عن التخلي في الطريق والظلال  حديث رقم 269                         مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

الأربعون في بعض أحكام الصبيان

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

الأربعون في بعض أحكام الصبيان دراسة تشتمل على اثنينوأربعين حديثاً في أحكام الصبيان    إعداد   مفتي البلقاء الشيخ :هاني خليل محمد عابد  مقدملدائرة الدراسات والبحوث وذلك 1-ابتهاجاً بحلول مناسبة الإسراء والمعراج 1435هـ 2-نشاطاً في إعداد البحوث والمقالات عن    شهري(5)و(6)/2014م                                                                  يسم الله الرحمن الرحيم                                        المقدمة الحمد لله رب العامين القائل :" { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ([1])وأفضل الصلاة والسلام على زين الوجود وأعظم مولود والبركة العامة لكل موجود ،سيدنا محمد القائل لما سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ قَالَ « ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ »([2])   أما بعد فهذا جزء اشتمل على اثنين وأربعين حديثا ً وردت في سنة أبي القاسم صلوات الله عليه في أحكام وشؤون الصبيان والناشئة ،وفقني ربي لكتابتها من كتب الحديث ومظانّه الصحيحة . أولاً :مشكلة الدراسة : عندما نقرأ عن أجيال السلف الصالح، نجد أنّهم اهتموا في تربية أبنائهم التربية البنّاءة التي جعلت أبناءهم يدخلون معترك الحياة بهمّة ،وخلق رفيع جعلهم يتعاملون مع مفردات الكون بصورة حضارية، بعيدة عن العبثية واللامبالاة ،أمّا في زماننا المعاصر فإننا أصبحنا نلحظ التركيز على التنمية البدنية للطفولة والمظاهر المادية ،دون التركيز على الجوانب العقلية ،والروحية عند الأطفال ،فجاءت هذه الأربعين لتسليط الضوء على تكامل المنهجية النبوية في تربية الأطفال، والعناية بحقوقهم ،وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهم ،وهي أحكام لا تقصيهم عن المجتمع، بل تعزز في أبناء المجتمع تفهم الطفولة واحتياجاتها النفسية ،والبدنية ،والعقلية، والروحية ،لتجعل منهم بناة الغد وصناع المستقبل ثانياً :الدراسات السابقة من الإنصاف القول بأنني لست بأول من كتب عن هذا الموضوع، بل كتب العديد غيري في هذا المجال، ولعل أشهرالدرسات دراسة الأستاذ عبدالله علوان المسمى بتربية الأولاد في الإسلام ،والذي يقع في مجلدين ،ولكننا قبل ذلك نجد في أهم كتب الحديث كصحيح البخاري مفردات كثيرة وتراجم (عناوين الأبواب عند البخاري )تتعلق بشؤون الصبيان ،والحمد لله فقد انتفعت منها في بحثي هذا ،وأضفت إلى ذلك فوائد أخرى مستمدة من أقوال علماء الحديث وشرّاحه في هذا الجانب ،ووضعت عناوين وتراجم في هذا البحث الذي هو على شكل جزء حديثي في  أحكام الصبيان ،وهذه التراجم دلت عليها الأحاديث المذكورة في هذا البحث إما صراحة ًأو دلالة .                                      -1- ثالثا : مجال الدراسة  : تناولت الدراسة اثنين وأربعين حديثاُ نبوياً من الأحاديث الصحيحة، الجامع بينها الحديث عن جوانب تربوية مهمة لمن يتولى تربية الأطفال من الآباء والأمهات، ،وكذلك من يشرف على توجيه من هم في سن الطفولة ،من خلال إمدادهم بمادة من نور الكلمات النبوية ،والعمل على استلهام الأفكار التربوية من هذه الكلمات . رابعاً: أهداف الدراسة :من الأهداف التي تسعى الدراسة إلى تحقيقها 1- أن تضع بين يديّ أهل التربية من الآباء والأمهات والمشرفين في هذا المجال ،دراسةً تبين بعض الجوانب التربوية التي جاءت في أحاديث خير البرية صلوات الله وسلامه عليه ،الذي أمرنا رب العزة بالاقتداء به والتي تزودهم بثقافة شرعية في مسائل مرحلة من أخطر المراحل التي تتشكل فيها الذات الإنسانية ألا وهي الطفولة . 2- لبيان العديد من الأحكام الشرعية المتعلقة بالصبيان، من حيث أحكام الطهارة والعبادات البدنية والمالية . 3- التوضيح بالأمثلة الإرشادية الموجهة للآباء والأمهات بضرورة العطف على الأبناء ،وتشكيل شخصياتهم بصورة متزنة قادرة على الدخول لمعترك الحياة بمؤهلات الشرع والعلم . 4- لبيان عظمة السنة النبوية ،وما اشتملت عليه من كلمات نورانية تغطّي مجالات الحياة الإنسانية ،ومن فضل الله علي أنني كتبت في موضوعات متعددة تضمن كل منها ما يزيد عن أربعين حديثا ،مثل الأربعون الدعوية ،والأربعون في فضائل المسجد الحرام ،والأربعون في فضائل المسجد النبوي ،والأربعون في فضائل بيت المقدس ،والأربعون البيئية ،والآن ّالأربعون في بعض أحكام الصبيان ،ولا يخفى أنّ تأثري بهذا المنهج جاء  من كتب الحديث النبوي وخاصة تلك التي جمعت أربعين حديثا في موضوع محدد أو متنوع، مثل صنيع النووي في الأربعين النووية المشهورة . 5- لاستخراج عدد من القيم التربوية في مجال تربية الأطفال، من حيث الرحمة بهم ،واحترامهم ،واستيعاب ما ينشأ عنهم من تصرفات خلال تلك المرحلة ،وتوجيههم نحو الخير ،وتدريبهم على أداء العبادات ،وعلى محاسن الأخلاق ،ومهارة التحدث معهم بأسلوب الملاطفة .                                         -2- خامسا منهجية الدراسة وفنياتها : 1- تم استخراج أحاديث الدراسة من كتب الحديث ومعظمها من صحيح البخاري التي شاركه مسلم في بعضها ،وأحيانا يكون الحديث من سنن أبي داود أو مسند الإمام أحمد ،لكن معظمها عند البخاري ،حيث أكرمني الله ببذل جهد لاستخراج معظم هذه الأربعين من صحيح                                البخاري ،لما تمتع به البخاري من دقة في التصحيح، وعبقرية في الاستنباط تظهر في تراجمه التي تكرر في العديد منها الحديث عن الصبيان، وأهل العلم يدركون قيمة تراجم البخاري وعناوينه في كتابه الصحيح ولذلك قالوا فقه البخاري في تراجمه([3])    2- أقوم بذكر عنوان وترجمة للحديث الذي أختاره ،ثم أتناول الحديث ،وأذكر تخريجه في ثبت المراجع حسب الترتيب في ثبت المراجع، بذكر من رواه وذكر الكتاب، والباب الذي ورد فيه الحديث ورقم الحديث ،وذلك لمزيد من الإيضاح للقارئ بارتباط موضوع الحديث بالعنوان الذي اخترته 3- أتناول بعد ذلك فوائد الحديث ،معتمداً في ذلك على أهم شروح كتب الحديث، مثل فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، وشرح النووي على صحيح مسلم ؛لما في هذين المرجعين من المهارة في الاستدلال على الدلالات المفيدة . 4- وكذلك رجعت إلى كتب الفقه مثل المجموع والروضة وكلاهما للنووي رحمه الله ،وكذلك إلى بعض الأحكام في الموسوعة الفقهية الكويتية ،وإلى فتاوى دائرة الإفتاء الأردني فيما يتعلق بأحكام الجنين وحرمة الاعتداء عليه . 5- وكذلك رجعت إلى الكتب التربوية مثل كتاب إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله، وما ذكره من كلام نفيس قي تربية الأبناء ،ومراعاة خصوصية الطفل في اللعب، وعدم منعه منه وإنما الإشراف عليه في أوقات الترفيه ،لأن الطفل يحتاج إلى المرح الهادف مثلما يحتاج إلى الغذاء والدواء                                                 -3-                                                         الحديث الأول: استحباب تكنية الصبي ومخاطبته بشؤونه. عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، وَكَانَ لِى أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ - وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ « يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ » . نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِى بَيْتِنَا ، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا .([4])  جاء في مناسبة هذا الحديث أن أبا عمير كان طفلاً ،قد أحضر له أهله طائر يشبه العصفور وضعوه في قفص ليلعب به الصبي ،ولكن العصفور لم يلبث مدةً حتى مات فحزن عليه الطفل ،فلما علم النبي صلوات الله عليه بحاله أخذ يلاطف الصغير لكي يخفف عنه ، ومن الفوائد التي ذكرها ابن حجر المستفادة من الحديث التَّلَطُّف بِالصَّدِيقِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا،  وَالسُّؤَال عَنْ حَالِهِ ، وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة مَنْ لَمْ يُولَد لَهُ ، وَجَوَاز لَعِبِ الصَّغِير بِالطَّيْرِ ، وَجَوَاز تَرْك الْأَبَوَيْنِ وَلَدهمَا الصَّغِير يَلْعَب بِمَا أُبِيحَ اللَّعِب بِهِ ، وَجَوَاز إِنْفَاق الْمَال فِيمَا يَتَلَهَّى بِهِ الصَّغِير مِنْ الْمُبَاحَات ([5])                      الحديث الثاني : ما جاء في تعليم الصبي أحكام الطهارة والصلاة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ بِتُّ عِنْدَ خالتي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً ، فَنَامَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا كَانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا - ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى ، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فحولني فجعلني عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، فَأَتَاهُ الْمُنَادِى يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ . قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْىٌ ثُمَّ قَرَأَ ( إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ )(6])   من فوائد الحديث مثلما يتبين لنا من ترجمة البخاري له قال المهلب: فى هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها([7])                           الحديث الثالث : باب في التسليم على الصبيان عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النبي - صلى الله عليه وسلم –يفعله([8])   قال العلماء: سلام النبى  - صلى الله عليه وسلم -  على الصبيان من خلقه العظيم، وأدبه الشريف، وتواضعه عليه السلام، وفيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آدابه الشريعة؛ ليبلغوا حدّ التكليف وهم متأدبون بأدب                                      -4- الإسلام، وقد كان عليه السلام يمازح الصبيان ويداعبهم ليقتدى به فى ذلك، فما فعل شيئًا وان صغيراً إلا ليسن لأمته الاقتداء به، والاقتداء لأثره، وفى ممازحته للصبيان تذليل النفس على التواضع ونفى التكبر عنه([9])  ومن مثل هذه الأحاديث أخذ العلماء  استحباب البدء بالسلام ولو على الصبي([10])   ولا يخفى ما في الحديث من احترامٍ للطفولة، وتنمية لعقول الصبيان بالتسليم عليهم ،وتدريبهم على ثقافة الأمن والطمأنينة والسلام ،وتدريب أسماعهم على سماع الخير .                       الحديث الرابع ما جاء في لعب الصبيان عن أَنَسٌ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فأرسلني يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَذْهَبُ. وَفِى نَفْسِى أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أمرني بِهِ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِى السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَبَضَ بقفاي مِنْ ورائي - قَالَ - فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ « يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ ». قَالَ قُلْتُ نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ([11])  الحديث يشير إلى تجاوز النبي صلوات الله عليه عن أنس ،لكونه صبياً ربما ينشغل أحيانا باللعب أو بالنظر إلى أقرانه من الصبيان وهم يلعبون، فلم يكن النبي صلوات الله عليه يعنفه بل يلاطفه ،وفي الحديث أيضاً دلالة على  تعلق الصبي باللعب،فينبغي فسح المجال له في ذلك لكن مع ضرورة متابعته، وأن يكن لعبه مباحاً لا حرام فيه، ولا انشغال فيه عن الواجبات ، قال صاحب الإحياء رحمه الله تعالى :" وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتّاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً.([12]) وللغزالي رحمه الله كلام جميل أتى به في كتابه إحياء علوم الدين بعنوان بيان الطريق إلى رياضة الصبيان في أول نشأتهم ،ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم  ،ومقصود الغزالي برياضة الصبيان أشمل من اللعب، بل العمل على تربية الصبي وإعداده ليكون فاعلاً في الحياة بما يحقق مرضاة ربه وسعادة نفسه وبناء مجتمعه ،ومن الأفكار التي عرضها الغزالي في هذا الجانب أ _ أن الصبي أمانة عند والديه عليهما أن يربياه على الخير ويبعدانه عن الشر. ب- التحذير من إهمال تربية الصبان لما تؤدي من خروج الصبي رديء الأخلاق. ج- عند فعل الصبي لخلق جميل فينبغي أن يكرم عليه .                                 -5- د- إذا صدر من الصبي خلق مذموم يتم التدرج في كفه عنه بالعتاب -بالأسلوب العلمي المناسب للردع_وعدم فضحه لأن كثرت العتاب تسقط أثر العقاب، وتدفع إلى ركوب القبائح . هـ_  يمنع الصبي من أن يفتخر على أقرانه بشيءً مما يأكله والداه. و- الأصل في تأديب الصبيان حفظهم من أصدقاء السوء. ز- يعلم الصبي طاعة والديه ومعلميه وكل من هو أكبر منه سنّا ([13])                        الحديث الخامس الصبر على فقد الصبيان عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ كَانَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ يَشْتَكِى ، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ ، فَقُبِضَ الصَّبِىُّ فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ مَا فَعَلَ ابني قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ . فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ وَارِ الصبي . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ « أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ » . قَالَ نَعَمْ . قَالَ « اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا » . فَوَلَدَتْ غُلاَمًا قَالَ لي أَبُو طَلْحَةَ احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِىَ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَى بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ ، فَأَخَذَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « أَمَعَهُ شَىْءٌ » . قَالُوا نَعَمْ تَمَرَاتٌ . فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَمَضَغَهَا ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِى فِى الصَّبِىِّ ، وَحَنَّكَهُ بِهِ ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . 0([14])  ويستفاد من هذا الحديث الصبر على فقد الأولاد واحتساب ذلك عند الله تعالى قال الحافظ ابن حجر :" وَفِي قِصَّة أُمّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا جَوَاز الْأَخْذ بِالشِّدَّةِ، وَتَرْك الرُّخْصَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا ، وَالتَّسْلِيَة عَنْ الْمَصَائِب ، وَتَزَيُّن الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا ، ، وَاجْتِهَادهَا فِي عَمَل مَصَالِحه ، . وَمَشْرُوعِيَّة الْمَعَارِيض الْمُوهِمَة إِذَا دَعَتْ الضَّرُورَة إِلَيْهَا  وَشَرْط جَوَازهَا أَنْ لَا تُبْطِل حَقًّا   لِمُسْلِمٍ . وَكَانَ الْحَامِل لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي الصَّبْر وَالتَّسْلِيم لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَرَجَاء إِخْلَافه عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا ، إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَة بِالْأَمْرِ فِي أَوَّل الْحَال تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْته وَلَمْ تَبْلُغ الْغَرَض الَّذِي أَرَادَتْهُ ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّه صِدْق نِيَّتهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتهَا . وَفِيهِ إِجَابَة دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهُ([15])  ومما ورد في ثواب الصبر عند فقد الأولاد ما جاء عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ « لاَ يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ إِلاَّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَوِ اثْنَيْنِ ».([16])                                       -6-                                                                                                     الحديث السادس الصبية الذين تكلموا في المهد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لَمْ يَتَكَلَّمْ في الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ عِيسَى ، وَكَانَ في بني إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ ، كَانَ يُصَلِّى ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ ، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّى . فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ . وَكَانَ جُرَيْجٌ فِى صَوْمَعَتِهِ ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى ، فَأَتَتْ رَاعِيًا ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا ، فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ . فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ قَالَ الراعي . قَالُوا نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ . قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ . وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بني إِسْرَائِيلَ ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ ، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِى مِثْلَهُ . فَتَرَكَ ثَدْيَهَا ، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِى مِثْلَهُ . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كأني أَنْظُرُ إِلَى النبي - صلى الله عليه وسلم - يَمَصُّ إِصْبَعَهُ - ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابني مِثْلَ هَذِهِ . فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجعلني مِثْلَهَا . فَقَالَتْ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ . وَلَمْ تَفْعَلْ » . ([17])  في قصة جريج المذكورة  فوائد ذكرها النووي في شرح مسلم مْهَا عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَتَأَكُّد حَقّ الْأُمّ ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا }([18])  وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الشَّدَائِد بَعْض الْأَوْقَات زِيَادَة فِي أَحْوَالهمْ ، وَتَهْذِيبًا لَهُمْ ، فَيَكُون لُطْفًا . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ زَعَمَ اِخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْأُمَّة . وَمِنْهَا إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ . وَفِيهِ أَنَّ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء قَدْ تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْكَرَامَات قَدْ تَكُون بِخَوَارِق الْعَادَات عَلَى جَمِيع أَنْوَاعهَا ، وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ ، وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصّ بِمِثْلِ إِجَابَة دُعَاء  وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط مِنْ قَائِله ، وَإِنْكَار لِلْحِسِّ ، بَلْ الصَّوَاب جَرَيَانهَا بِقَلْبِ الْأَعْيَان وَإِحْضَار الشَّيْء مِنْ الْعَدَم وَنَحْوه .([19])  2- هذا بالنسبة لجريج، أما حديث الصبي مع مرضعته وهو في المهد عندما دعت لولدها أن يكون مثل راكب الفرس في حسن الهيئة والكبرياء والوجاهة ،وأن لا يكون محل سخرية مثلما حدث مع الأمة التي اتهمها الناس بالسرقة والزنا ظلماً وعدوانا لكنّ أم الصبي لم تعلم                                    -7- هذه الحقائق فأنطق الله الصبي وهو في المهد رضيعاً بحقائق الأمور  قال ابن حجر  وَفِي الْحَدِيث أَنَّ نُفُوس أَهْل الدُّنْيَا تَقِف مَعَ الْخَيَال الظَّاهِر فَتَخَاف سُوء الْحَال ، بِخِلَافِ أَهْل التَّحْقِيق فَوُقُوفهمْ مَعَ الْحَقِيقَة الْبَاطِنَة فَلَا يُبَالُونَ بِذَلِكَ مَعَ حُسْن السَّرِيرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ أَصْحَاب قَارُون حَيْثُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون)([20])  بينما كان قول أهل الإيمان(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم وَيْلكُمْ ثَوَاب اللَّه خَيْر )   (القصص:80) . وَفِيهِ أَنَّ الْبَشَر طُبِعُوا عَلَى إِيثَار الْأَوْلَاد عَلَى الْأَنْفُس بِالْخَيْرِ لِطَلَبِ الْمَرْأَة الْخَيْر لِابْنِهَا وَدَفْع الشَّرّ عَنْهُ وَلَمْ تَذْكُر نَفْسهَا([21])                            الحديث السابع- حنان الأم على أولادها عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ » .([22])  قال النووي رحمه الله في شرح الحديث يهِ فَضِيلَة نِسَاء قُرَيْش ، وَفَضْل هَذِهِ الْخِصَال ، وَهِيَ الْحَنْوَةُ عَلَى الْأَوْلَاد ، وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ ، وَحُسْن تَرْبِيَتهمْ ، وَالْقِيَام عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا يَتَامَى . وَنَحْو ذَلِكَ مُرَاعَاة حَقِّ الزَّوْج فِي مَاله ، وَحِفْظه ، وَالْأَمَانَة فِيهِ ، وَحُسْن تَدْبِيره فِي النَّفَقَة وَغَيْرهَا ، وَصِيَانَته ، وَنَحْو ذَلِكَ .([23])                                                    الحديث الثامن: ما جاء في نباهة الصبي وتفهمه وما يترتب على ذلك عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مَجَّةً مَجَّهَا فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ . ([24])  هذا الحديث فيه فوائد كثيرة منها ما ذكره الحافظ ابن حجر 1-الْمَجّ هُوَ إِرْسَال الْمَاء مِنْ الْفَم ، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مَجًّا إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى بُعْد . وَفَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَحْمُود إِمَّا مُدَاعَبَة مِنْهُ ، أَوْ لِيُبَارَك عَلَيْهِ بِهَا كَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنه مَعَ أَوْلَاد الصَّحَابَة.  2-جَوَاز إِحْضَار الصِّبْيَان مَجَالِس الْحَدِيث وَزِيَارَة الْإِمَام أَصْحَابه فِي دُورهمْ وَمُدَاعَبَته صِبْيَانهمْ. 3-وَلَا بَأْس بِتَعْلِيمِ الصَّبِيّ الْحَدِيث وَالْقُرْآن وَهُوَ فِي هَذَا السِّنّ ،-يعني سن الخمس سنوات يَعْنِي إِذَا كَانَ فَهِمًا.(([25])  4- وقال النووي رحمه الله : وَفِي هَذَا مُلَاطَفَة الصِّبْيَان، وَتَأْنِيسهمْ وَإِكْرَام آبَائِهِمْ بِذَلِكَ ، وَجَوَاز الْمِزَاح([26])                                    -8-                       الحديث التاسع حلق الشعر للصبي ليكون حسن الهيئة  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَيْشاً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ « فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ». فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَتَى خَبَرُهُمُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ « إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ وَإِنَّ زَيْداً أَخَذَ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ».  فَأَمْهَلَ ثُمَّ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلاَثاً أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ « لاَ تَبْكُوا عَلَى أَخِى بَعْدَ الْيَوْمِ ادْعُوا لِى ابْنَىْ أَخِى ». قَالَ فَجِىءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ « ادْعُوا لِى الْحَلاَّقَ ». فَجِىءَ بِالْحَلاَّقِ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا ثُمَّ قَالَ « أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِى طَالِبٍ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَشَبِيهُ خَلْقِى وَخُلُقِى ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى فَأَشَالَها فَقَالَ « اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَراً فِى أَهْلِهِ وَب مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

الأرزاق الربانية

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

الأرزاق الربانية مفتي البلقاء د هاني خليل عابد من فضل الله علينا أن جعلنا من أمة خير البرية، سيدنا محمد صلوات الله عليه ،الذي أرشدنا لكل فضل ،ونهانا عن كل زلل ، وحذّرنا من أن يسود الفراغ الروحي في أنفسنا ،وفي بيئتنا ،وفي مجتمعاتنا ، لأن هذا الفراغ ، يؤدي إلى إتباع الشهوات التي لا حدود لها ،فيقع الإنسان في المحرمات ،وفي النزاعات الباطلة المفضية للاعتداء على الأنفس ،والأعراض ،والأموال ، فترى البعض خاوياً من اليقين ، فيطغى إن أعطى النعم قال تعالى :" كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى (العلق 6-7) ولئن ابتلى أصيب بالضجر والقلق ،وربما وقع في التصرفات غير المدروسة ألتي تقوده للحرام، وكل ذلك في ميزان الشرع مرفوض . وعندما نتدبر الحديث النبوي الذي كان من أذكار رسول الله صلوات الله عليه ،يدعو بها لأصحابه ،لنجدن في ذلكم الدعاء ،مقاصد شرعية راقية ،تحتاج إلى توفيق ربّاني ،فالتحقق فيما جاء به ذلكم الحديث الشريف ،يشكّل مخزونا ثقافيا ،نتغلب به على الحرص والطمع ، فلا نضعف أمام المعاصي ،ولا ننهار أمام الفتن ،لما اشتمل عليه الدعاء الكريم ،من مقاصد شريفة ،ومطالب عظيمة  ً فعن ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» (رواه الترمذي ) فعلاج التطلع الى المعاصي هو الخشية من الله ،والعلم بأن الله سيسألنا عن كل شيء ويحاسبنا عليه ، ومن اشتاق للجنة فليكثر من الطاعات ،محافظة ،وإكثاراً، وإتقانا، ومن ابتلي بمرضٍ أو قلة مال ، أو أي نوع من الشدائد ، فليصبر وليرضى بقضاء الله ، وليعمل على إزالة البلاء بالدعاء والأخذ بالأسباب ،ولكن لا يقول ولا يفعل إلا ما يرضي رب العالمين ، إنّا لله وإنا إليه راجعون ، وليحمد الله أن المصيبة لم تكن في دينه ، وأنه لم يصب دماً أو مالا حراما ،ولم يعتقد باطلاً ، ولم يفتر عن عبادة ، شاكراً الله على نعمائه ،وما منحه من القوة والسمع والبصر ، والذرية ،طالبا من الله الوقاية من كل من لا يرحم . (قوت المغتذي على جامع الترمذي/للسيوطي بتلخيص واختصار) مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

الحوار في الحياة الزوجية فريضته وضرورته

مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

                         الحوار في الحياة الزوجية فريضته وضرورته                              مفتي البلقاء د هاني خليل عابد   إن المتابع لشأن الطلاق يلحظ بأن من أهم أسبابه هو غياب ثقافة الحوار بين الزوجين، وعلينا شرعاً أن نستشعر دائما الأخطار الاجتماعية والمجتمعية، التي من شأنها أن تعرض استقرار الحياة الأسرية للمرض والزوال ، فلا يخفى على العقلاء ما يترتب على عدم الاستقرار الأسري من تبعات التفكك ،وتشرد الأسرة، وعدم إشباع الرغبات العاطفية لأفرادها، فلا ينمو أحدهم النمو السليم؛ لأنه تربى على الصراع بين أبيه وأمّه، فلا يجد طعما للراحة، فينتهي الأمر بأبناء الجيل إلى الانهيار والانتحار ،والضياع ،ويصبحوا  فريسة  للتطرف ،وتهديد أمن المجتمع وسلمه، وهذا لا يقره شرع ولا حضارة ، فلا عجب أن تحظى الأسرة بتوجيهات شرعية من بداية تأسيسها ؛لكي  تبنى على المودة والرحمة قال تعالى :" وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21)، أما التفكك والضياع فلا يفرح به إلا إبليس وأتباعه ولنتفكر في الحديث النبوي الآتي : روي مسلم عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ". ) وتلافيا لكل هذه الأخطار فإن التوجيهات الشرعية دعت الزوج إلى معاشرة زوجته بالمعروف قال تعالى "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(النساء :19) وهذا تأسيس لثقافة الحوار الزوجي أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [الْبَقَرَةِ: 228] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ ويُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، (تفسير ابن كثير 2/209) وفي قوله تعالى :"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف(البقرة :228) قال الشافعي :": وَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُؤَدِّيَ كُلٌّ مَا عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ ،وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ إعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ، وَأَدَاؤُهُ إلَيْهِ بِطِيبِ النَّفْسِ لَا بِضَرُورَتِهِ إلَى طَلَبِهِ، وَلَا تَأْدِيَتُهُ بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ لِتَأْدِيَتِهِ، وَأَيَّهُمَا تَرَكَ فَظُلْمٌ لِأَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَطْلُهُ تَأْخِيرُهُ الْحَقَّ.(الأم للشافعي 5/93) كذلك نهى الإسلام عن كل تصرف يلحق الضرر بالحياة الزوجية قال تعالى : بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ(البقرة 231)" وبالرجوع إلى قانون الأحوال الشخصية الأردني  فقد تناولت المواد من 72- 79 الدعوة والتأكيد على ترسيخ قيم تحقيق الأمان الأسري والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين.   مدونة فضيلة المفتي هاني العابد