كليات الشافعي 4

 كليات الإمام الشافعي (4)

نظرات في فقه السفر

تمهيد

الشافعي رحمه الله من أصحاب الهمم العالية والتجديد ، .ومن الأمانة العلمية القول بأن الشافعي لم يكن متفرداً في هذا المجال فمن سبقه كالإمامين مالك وأبي حنيفة ،وكذا تلميذ الشافعي الإمام أحمد لهم مساهماتهم الرائعة في إثراء الفقه ،وإيجاد الحلول الشرعية لوقائع الناس ، قال الشعراني : "لا تقولوا اختلف العلماء ولكن قولوا توسع الفقهاء "

جوانب متعددة في فقه السفر

تكلم الشافعي عن مسائل السفر  ، كالتيمم عند فقد الماء ، والصلاة وأدائها للمسافرين ، وكذا الصيام والحج ،  باستقراء كليات البحث الفقهي نرى الشافعي يلفت عقل المسافر لمسائل ينبغي مراعاتها وفي مقدمتها عدم الغفلة عن طاعة الله ،فما أجمل دعاء المصطفى الذي كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل» ، وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون»(رواه مسلم ) لذا ينبغي على المسافر مراعاة ما يلي :

1-   الاجتهاد عند اشتباه الأمور ،فالمسافر يجتهد ويعمل عقله في تحري طهوره ، وتحديد قبلته حال الاشتباه ، مراعياً في ذلك اليقين ،ففي في تحري الماء الطاهر إذا اشتبه بنجس "فالماء على الطهارة وله أن يتوضأ به حتى يستيقن مخالطة النجاسة به" فإذا تيقن النجاسة لم يتطهر به . وكذا يسأل عن القبلة

2-أن يكون مقصد السفر مباحا، وإنما جعلت الرخصة لمن لم يكن عاصياً ، ألا ترى إلى قوله تعالى {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] وهكذا لا يمسح على الخفين ، ولا يجمع الصلاة مسافر في معصية.

3-   التفقه بأمور الدين حتى يؤدي العبادات بشكل صحيح  ، ومنه أنه إذا صلى خلف مقيم أتمّ الصلاة ،وإن خرج للسفر قبل الفجر فله الفطر في رمضان، أما إن سافر بعد الفجر فيتم صومه فإن لحقته مشقة فيفطر ويقضي .

 4-الفهم الدقيق لمسائل الرخص الشرعية فلا إفراط ولا تفريط ، فالرخصة من الله لا يجب الإجبار على فعلها هذا من ناحية ، ومن ناحية أخر لا ينبغي ترك الرخصة ترفعا وإنكارا لها ، ومثال الأول قول الشافعي "وقد نهي عن صيام السفر وإنما نهي عنه عندنا والله أعلم على الرفق بالناس لا على التحريم ولا على أنه لا يجزي وقد يسمع بعض الناس النهي ولا يسمع ما يدل على معنى النهي فيقول بالنهي جملة". وفي المثال الثاني يقول الإمام :" وأكره ترك القصر وأنهى عنه إذا كان رغبة عن السنة فيه، وأكره ترك المسح على الخفين رغبة عن السنة فيه ،ومن ترك المسح على الخفين غير رغبة عن السنة لم أكره له ذلك."

5-العمل على حفظ الآخرين المالية عند السفر، فعلى المسافر حفظ حقوق الآخرين المالية ، فلا يضيعها ومثال ذلك من مسائل الوديعة قول الشافعي:" وإذا استودع الرجلُ الرجلَ الوديعة فأراد المستودع السفر فإن كان المستودع حاضرا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى، فإن أودعها من شاء فهلكت ضمن إذا لم يأذنا له، وإن كان غائبا فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينا على ذلك فهلكت لم يضمن". وبهذا الفقه الحضاري يتمكن المسافر من معرفة ما له وما عليه ،محافظاً على دينه وأمانته ، مستشعراً لمعية ربّه ومبتغياً لرضوانه وفضله.      

التعليقات

إضافة تعليق