أهل الحديث

أهل الحديث

أهل الحديث حازوا الفضائل ونشروها المفتي د هاني خليل عابد حديث رسول الله صلوات الله عليه هو كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية فالحديث النبوي يجعلك تعيش مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لتتعرف على أقواله فإن كانت أمراً التزمت به ،وإن كانت نهياً انتهيت عنه، امتثالاً لقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا  [الحشر: 7] ليس هذا فحسب بل إن أهل الحديث جمعوا مادة الإسلام ،ومفرداته، وتراكيبه ،ولم يألوا جهداً في ذلك ، ولا ريب أنّ مهمتهم لم تكن سهلة ،وهم يرحلون لجمع الأحاديث، ويضعون القواعد العلمية والأدبية في تحمل رواية الحديث ،وأدائها بشكل علمي مقبول ، ولم يكن هَمّ المحدثين هو الناحية الفنية فقط ،بل كانوا مخلصين للإسلام ولرسالته إخلاصاً قلبياً ، يظهر ذلك من خلال تناولهم للأحاديث النبوية وعرضها بطريقة الكتب، والأبواب الداعية للمحافظة على المقاصد الشرعية ،والضرورات الخمس، ألا وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسب ،والمال ،فالبخاري رحمه الله يسمي كتابه :" الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، وهذه التسمية تعلمنا أنّ البخاري المحدث العلَم ، لم يكن همه الجمع فقط بل نشر السنن النبوية ،وربط الأمّة بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه . وكذلك فإن أهل الحديث رأوا بأنه من الواجب عليهم التدقيق في السنّة النبوية ،وليس فقط التعامل معها بانغلاق، بل بطريقة الاستثارة ،ومعناها عندهم: تحريك العقول في ثمار الحديث النبوي الشريف ، وتدقيق النظر فيه لاستنباط الفوائد العظمى منه، قال النووي في شرح مسلم ،مبيناً واجب المسلم مع السنّة النبوية الشريفة فمن ذلك  " وَبَثُّ دَعْوَتِهِ ،وَنَشْرُ شَرِيعَتِهِ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ عَنْهَا، وَاسْتِثَارَةُ عُلُومِهَا، وَالتَّفَقُّهُ فِي مَعَانِيهَا ،وَالدُّعَاءُ إِلَيْهَا ،وَالتَّلَطُّفُ فِي تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا) فدقق النظر في قوله واستثارة علومها ،تدرك المهمة الكبرى التي قام بها المحدّثون ،وفي ذلك رد ّعلى فريقين أحدهما  يرد كل حديث بلا بينة، وفي ذلك خطر في فهمه للإسلام ،وفريق آخر أحب أهل الحديث ،ولكنهم لم ينتفعوا بطريقتهم الاستنباطية ،ولا بذوقهم الشرعي ،وحال الفريق الأول هو التحلل من الشرع؛ بردّه للسنة الثابتة ،وحال الفريق هو الجمود ، أما حال المحدثين الصادقين من سلف الأمة وخلفها فهو العمل على إصلاح القلب وإصلاح العمل ،لذا عندما نقرأ في مصادر الحديث نرى أنهم يذكرون الأحاديث النبوية في مجال الإيمان ،وكذا فيما يصلح العلاقة مع الله ويربط القلب بالله جل وعلا، وكذا يذكرون الأحاديث في مجال ، العلاقات الإنسانية ،وأن تكون قائمة على التراحم ، والتواصل المشروع ،والتعاون على البر والتقوى ،وسأذكر لذلك مثلين أحدهما الإنسان في حال السفر يعتريه القلق من متاعب الطريق، والخوف على الأهل والمال والولد ، لكن النبي صلوات الله عليه يرشدنا للتوجه إلى الله، فهو الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال يروي الإمام مسلم  من طريق  ابْنَ عُمَرَ ْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ» ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وفي مجال العلاقات الإنسانية ،وما ينبغي أن يكون عليه المجتمع من القوة الحضارية الإنسانية،نجد مادة كثيرة في كتب الحديث تجمع هذا وتفصّله ،ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»(رواه الترمذي /كتاب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في صنائع المعروف) وبعد كل هذا لا بد من التأكيد على أن أهل الحديث نشروا الفضائل وحازوها ،وعملوا على جمع كلمة الأمة ،ونشر الفضائل النبوية فيها ، فجمعوا الأحكام الشرعية والأذواق النبوية ، وكتب الحديث تهتم ببيان بأن على المريض أن يتداوى فعن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ»(رواه أبو داود ) ويذكر البخاري في صحيحه أبوابا للمهن والحرف ، كالنّجار، والحداد، والخياط ،وغير ذلك ، ونقرأ لأصحاب الحديث كالبخاري ومسلم وأبو داود ،والترمذي والنسائي ،وابن ماجة كتباً في أحكام اللباس والزينة ،والكيفية الشرعية لأداء العبادات ،وطرق الحلال ،والأخذ بأسباب القوة، فمن أراد التقوى والضبط الاجتماعي والرقي العلمي والأخلاقي فعليه بكتب الحديث وليتعامل معها بعقلية راشدة ،يأخذها من أفواه العلماء الربانيين ،وأختم بما ختم البخاري به كتابه الصحيح بقوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم :" " كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ "( آخر حديث في صحيح البخاري)

التعليقات

إضافة تعليق