ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

                                                  ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

                                          كتبه د هاني خليل عابد

هذا العنوان مقتبس من بيت شعر ومطلعه

ليتَ وهل ينفع شيئًا ليتُ ... ليتَ شبابًا بُوعَ فاشتريتُ

وهو للشاعر: رؤبة بن العجاج وموطن الشاهد النحوي فيه جواز استعمال "بُوعَ"  في المبني للمجهول وذلك سائغ على لغة بعض العرب مع أن الأصل فيه بيع بالياء  ، ولئن كان محل عناية النحويين في مجال توضيح صيغ صرف الفعل المبني لما لم يسمّى فاعله ، فلا مانع من التأمل في البيت لما ينفع مباني حياتنا لتكون سعيدة مطمئنة .

في جانب الحياة

يستفاد من البيت أهمية مرحلة الشباب، وأنها مرحلة يتمنى الإنسان دائما أن يبقى يعيشها ؛ لما تشكل له من حيوية وحركة ، تتيح  له فرص التقدم ، والتمكن ، والعقلاء بتوفيق من الله يوجهون مرحلة شبابهم لما يكون فيه الصلاح لدينهم ، ولدنياهم ، ولآخرتهم ، روى النسائي في السنن الكبرى  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وفي حديث آخر متفق عليه فيمن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " وشاب نشأ في طاعة الله " وتخصيص ذكر الشاب في الحديث لبيان منزلته ؛ لأنه  لم  تتغلب عليه غرائزه فلم ينهمك في الشهوات ، وإنما صحح مسار العقل والقلب فوجههما نحو طاعة ربه ،وذلك الفضل المبين .

العناية بالشباب لا تقع عليهم وحدهم

شباب الأمة هم أمل نهضتها ، والمعول عليهم في تحقيق عزتها ، فلا غرابة أن نجد أن التحديات  لهم بالمرصاد ، وتلكم التحديات إمّا أن تكون داخلية  كامنة في أنفسهم كالشهوات ،وإما أن تكون تحديات خارجية كرفاق السوء  ،أو من يتعمدون إسقاط الشباب وإصابتهم بأمراض العصر كالإدمان ، أو العادات السيئة ، أو التعلق بما يعطل حركة عقولهم من الألعاب التي تقعدهم عن مسؤولياتهم ، وتجعل من شخصياتهم عدوانية ، أو نائمة وعاجزة ، لذا في مثل هذه الظروف يدعونا العقل الراشد والشرع الشريف لنقوم بمسؤوليتنا تجاه الشباب بالتوعية ، والتشاركية ، وحثهم على حضور مراكز العلم في المساجد ، والمدارس ، والجامعات ، والندوات ، والمحاضرات التشاركية  وليست التقليدية ، ومراعاة وسائل العصر في خطابهم ومخاطبتهم .

من وسائل التغيير المهمة اكتشاف مواهب الشباب

تتنوع مهارات الشباب في الأنشطة التي يجدون فيها أنفسهم ، ومن المهم معرفة مواهب الشباب العقلية ،والبدنية ،والحركية ، وعلى المؤسسات المعنية بداية من الأسرة ، والمدرسة ، والجامعة ، والمسجد ، العناية بهذا ،وتطويره حتى لا تذهب الطاقة الشبابية هدرا ً، أو لا قدر الله تتوجه  نحو الرذائل والسقوط.

مثال من سيرة المصطفى صلوات الله عليه

أمثلة عناية النبي صلوات الله عليه بالشباب كثيرة ، وتحتاج لدراسة خاصة ، وسأذكر مثلا عن شاب في عصر النبوة ،قصته مبثوثة في كتب السيرة ، وأوردها السهيلي في الروض الأنف ، ومن قبله الشافعي رحمه الله في في كتاب الأم تحت عنوان حكاية الأذان ،وملخصها عن شاب كان اسمه سمرة و،كنيته أبو محذورة سمع أذان بلال لما عاد النبي صلوات الله عليه من حنين وكان يومها هذا الشاب من الذين  لم يستقر الإيمان في قلوبهم  فراح يحاكي صوت المؤذن مستهزئاً فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصوت فاستدعاه  صلوات الله عليه وعلمه الأذان لحسن صوته ومسح على صدره فانقلب كرهه للإسلام إلى محبة  ، وجعله  النبي صلوات الله عليه  مؤذناً لأهل مكة وَفِي أَبِي مَحْذُورَةَ قال بعض شعراء قريش

أَمَا وَرَبّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ ... وَمَا تَلَا مُحَمّدٌ مِنْ سُورَهْ

وَالنّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ ... لَأَفْعَلَن فِعْلَةً مَذْكُورَهْ

نرجو الله في  بداية الأعوام الدراسية  والجامعية  في بلدنا ، أن نعيش مرحلة عملية مستثمرة لطاقات الشباب  ومواهبهم ، حتى لا نخرج من مرحلة الرجاء إلى مرحلة  ليت غير المتحققة ، فاللهم حقق رجاءنا في شبابنا واجعلهم قرة أعين لمجتمعاتهم ولوطنهم ولأمتهم .

التعليقات

إضافة تعليق